محمد غازي عرابي
804
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
نصفه روح ونصفه طين ، وهو يحمل هذين النصفين مظهرا اللّه باسمه الظاهر . وضرب اللّه مثلا لكلماته التي لا تحصى البحر يمده من ورائه سبعة أبحر ، وللمثل رقيقة ، ذلك أن العالم متجدد . فعلى مستوى الكليات الثابتة فالخروج العياني الأجزائي منها دائم ، ومقولة كلية بالإضافة إلى مقولة كلية أخرى تنتج مقولة جديدة ، وهذه هي المعادلة الثلاثية لدى الفلاسفة الموحدين الألمان . فبالديالكتيك فتح اللّه جيوب كلماته وأخرج الأفراخ تسعى ، وبالديالكتيك أضيفت الصفة إلى الصفة فخرجت صفة جديدة ، والعملية دينامية حيوية سمتها الفلاسفة المبدأ الحيوي والطاقة الحيوية . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 28 ] ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) [ لقمان : 28 ] قلنا النفس صورة إلهية ، وهي الوجه القابل للروح الفاعل ، فهي خالدة مثله ، محيطه مثله ، مولدة مثله للأجزاء ، فالأجزاء أصلها واحد ولهذا قلنا النفس الكلية ، فالموحي ، أي النفس الشريفة ، واحد ، والملهم واحد ، ولهذا تناهت الكثرة إلى الوحدة أو إلى عين الجمع ، أما الملهم - بفتح الهاء - فكثير ، وكل واحد صفة يحمل صفته ويسعى بها وعليها ، فهو لها حامل وهو عليها محمول ، فالوحدة يمثلها الباطن ، والكثرة تمثلها الظواهر . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 29 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) [ لقمان : 29 ] ليل الروح يلج في نهار المادة باعتبار الروح الغيب المستور والنهار الرق المنشور ، فهذا داخل في ذاك ، فلا سبيل إلى فصلهما لأنه إن لم تفعل الروح في المادة بقيت عاطلة عن العمل ولا بد للطاقة من عمل ، وأنشد ابن عربي : فنحن لا وهو ذو ظهور * فالعين منه والنعت منا والأجل المسمى أجل الصفة المتجسدة ، والتجسد الإنسان الظاهر بهيكله المادي ، فالإنسان الجسر بين اللّه والعالم ، والعالم ذو أجل متى انقضى توفي فردت الصفة إلى العين ، واللّه صاحب العين بكل صفة بصير . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 30 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) [ لقمان : 30 ] العلي علي لذاته لأنه لا يوجد سواه حتى يعلو عليه ، فإذا علا اللّه فعلوه على النفس والنفس له ، شطر منه ومحط لتجليه ، فهي منه ، وهي به ، وهي هو عند التجلي .